حيدر حب الله

293

الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)

رجسهم ، ومرضاً إلى مرضهم . وأين يقع طبّ الأبدان منه ؟ ! فطبّ النبوّة لا يناسب إلا الأبدان الطيّبة ، كما أنّ شفاء القرآن لا يناسب إلا الأرواح الطيّبة ، والقلوب الحيّة . فإعراض الناس عن طبّ النبوّة كإعراضهم عن الاستشفاء بالقرآن الذي هو الشفاء النافع . وليس ذلك لقصورٍ في الدواء ، ولكن لخبث الطبيعة ، وفساد المحلّ وعدم قبوله » « 1 » . التيّار الثاني : وهم القائلون بالأصول البشريّة للطبّ النبوي ، وأنّ النبيّ حصل على هذه العلوم من ثقافة عصره . ومن أبرز القائلين بهذا القول ابنُ خلدون ( 808 ه - ) ، حيث يقول : « وللبادية من أهل العمران طبٌّ يبنونه في غالب الأمر على تجربةٍ قاصرة على بعض الأشخاص متوارثاً عن مشايخ الحيّ وعجائزه ، وربما يصحّ منه البعض ، إلا أنّه ليس على قانونٍ طبيعيّ ولا على موافقة المزاج ، وكان عند العرب من هذا الطبّ كثيرٌ ، وكان فيهم أطبّاء معروفون كالحارث بن كلدة وغيره . والطبُّ المنقول في الشرعيّات من هذا القبيل ، وليس من الوحي في شيء ، وإنّما هو أمرٌ كان عادياً للعرب ( عند العرب ) » « 2 » . التيّار الثالث : وهو التيار الذي يحاول التلفيق بين الرأيين السابقين ، فيرى أنّ نصوص الطبّ النبويّ على نوعين : ما هو وحي ، وما هو تجارب بشريّة . ومن أنصار هذا التيار الشيخ أبو سليمان الخطابي الشافعي ( 388 ه - ) ، والذي يقول : « الطبّ على نوعين : الطبّ القياسي ، وهو طبّ اليونانيّين الذي يستعمله أكثر الناس في واسطة ( أوسط ) بلدان أقاليم الأرض ، وطبّ العرب والهند ، وهو الطب التجاربي . . إذا تأمّلت أكثر ما يصفه النبيّ صلى الله عليه وآله من الداء فإنّما هو على مذهب العرب ، إلا ما خُصّ به من العلم النبويّ الذي طريقه الوحي ، فإنّ ذلك فوق كلّ ما يدركه الأطباء

--> ( 1 ) ابن قيم الجوزيّة : الطبّ النبويّ : 27 - 28 . ( 2 ) ابن خلدون ، المقدّمة ( تاريخ ابن خلدون 1 ) : 493 .